مَن القادم إلى البيت الأبيض؟
كنت أظن في الأشهر الأولى لسباق الرئاسة الأميركية أن فرصة الديمقراطيين محسومة في الفوز، ولكني أقول لكل من كان يرغب في سماعي الآن، إن القادم إلى البيت الأبيض هو جون ماكين، ورغم كل الحديث العاطفي تجاه باراك حسين أوباما، فأنا علناً أضع مراهنتي على توقّع الجمهوري قادما حثيثا إلى أعتاب البيت الكبير.
أن يغامر كاتب بتوقّع وصول شخص ما إلى سدة الرئاسة الأميركية هو عمل أقرب إليه التهور من العقل. إلا أن الحسابات السياسية تبدو اليوم قريبة من ذلك. هناك معادلة في السياسة الأميركية قلَّ أن تخطئ، وهي التي تقول إن من يحصل على نقاط تفضيلية في استطلاعات الرأي العام في شهر سبتمبر (أيلول) الذي يسبق انعقاد مؤتمر الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فإنه في الغالب يحصل على مقعد الرئيس في الانتخابات النهائية. وإذا أخذنا بهذه المعادلة، وهي تشابه معادلة ثابتة في السياسة الفرنسية تقول إن هناك لعنة تسمى لعنة «ماتنيون»، وهو مقر الحكومة الفرنسية، ومفادها أن لا رئيس حكومة فرنسية في الجمهورية الخامسة منتهية ولايته، قد نجح في الوصول إلى قصر الإليزيه «مقر رئيس الجمهورية»، إذا أخذنا بهاتين المعادلتين فإن فرصة ماكين تكون هي الأوفر.
في المقابل فإن باراك أوباما يحمل لعنة أخرى، وهي خلفيته الإسلامية، «حسين» اسم جده. رغم كل ما قيل فإن الاسم في المجتمع الأميركي الواسع يعمل كمثل اللطخة على ربطة العنق، كلما دعكتها انتشرت. ماكين له حليف آخر هو -مع الأسف- رئيس الجمهورية الإيرانية أحمدي نجاد. ففي سنة انتخابات حامية الوطيس يقول أوباما إنه سوف يجلس مع ممثلين عن إيران إن انتخب، وتمثل إيران اليوم، بطريقة تناولها السياسة الدولية، زنبوراً دائم الطنين، كلما خفتت بعض تصريحات مسؤوليها تبعتها تصريحات أكثر إثارة. يدعو الإعلام الدولي والأميركي -على الخصوص- إلى تصوير النموذج الذي تقدمه مثل هذه التصريحات بوجوه كثيرة وسلبية مرت على المخيلة الجمعية الأميركية، فالبعض يبالغ حتى يوصلها إلى مصاف أدولف هتلر، وآخرون يتذكرون صدام حسين على الأقل، وهذا بالطبع يصب في خانة ماكين الانتخابية.
عدد من الخطوات السياسية التي اتخذتها إدارة الرئيس بوش مؤخرا، يرى بعض البسطاء أنها تمهيد لإدارة جديدة هي إدارة الديمقراطيين. ولكن إذا تمعنّا فيها أكثر، مثل إرسال موفد أميركي إلى المحادثات الأوروبية الإيرانية، أو مثل إعادة منتسبي الجيش العراقي السابق إلى الخدمة في بغداد أو غيرها من الخطوات، نرى أن جلَّها -إن لم تكن كلها- تتوجه لمساعدة إدارة جمهورية جديدة بقيادة ماكين!
النموذج السياسي والاجتماعي الذي يبشّر به أوباما ومعسكره لا يروق كثيرا لصنّاع السياسة الحقيقيين في أميركا، فهم مالكو الصناعات الثقيلة، والمصالح النفطية والصناعات العسكرية، التي سوف تطلق من عقالها بالاستعانة بماكينة الإعلام الضخمة، وهذا ما يسمى عادة بجنون الارتياب الذي يلبس على شخص المرشح وبرامجه.
جنون الارتياب هذا أطلق على عدد من المرشحين في السابق، منهم على سبيل المثال لا الحصر، هيلاري كلينتون، والتي كانت بحساب العقل أكثر قدرة على هزيمة المعسكر الجمهوري، نظريا على الأقل، لكونها من أعضاء النادي السياسي المغلق، إلا أنها لم تتمكن من الفوز في فرعيات الديمقراطيين في ضوء جوقة الإعجاب القريب إلى السذاجة بأوباما.
سقوط هيلاري سهَّل تغلّب المرشح الجمهوري على الديمقراطي، الذي سوف يُظهر من الآن فصاعدا أنه أولا ابتعد عن سياسة بوش في التفاصيل، وأنه قادر على لعب الدور الأكثر حكمة وبعد نظر، وأخيرا فهو بطل من أبطال الحرب، صمد في معتقله بصبر في زمن نفاد الصبر. سوف نرى فنّا جديدا في الإعلام الأميركي للترويج لماكين اسمه فن صناعة الخصم، الذي سوف ينطلق ضد أوباما على المستويين الشخصي والسياسي.
قلت إنها مغامرة أن يتنبأ أي كاتب بما سوف تولّده الانتخابات الأميركية في هذا الوقت المبكر، إلا أن الأخطر من ذلك هو أن يصرف بعض السياسيين في الدول المناوئة لأميركا كل رصيدهم السياسي، ويسوّقوا إلى تغيير يرغبون به في أذهانهم، وهو وصول أوباما إلى البيت الأبيض، من دون أن يلتفتوا إلى قدوم الذئب!
محمد غانم الرميحي